الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
6
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
أهل بيت النبي عليهم السّلام ازدهر الفقه عندهم قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر ، حتّى بلغ الكثير من غاياته وأثمرت أغصانه ، وطلعت أنواره ، ولكن بحمد اللّه ومنّه ، يرى في الطائفة الأولى أيضا في هذه الأعصار حركة نحو التجاوب مع فقهاء أهل البيت عليهم السّلام لفتح باب الاجتهاد بمصراعيه ، ولعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا ! ومن الجدير بالذكر أنّ فقهاء أهل البيت عليهم السّلام لم يقنعوا بفتح باب الاجتهاد فقط ، بل اتّفقوا في ضوء إرشادات الأئمّة المعصومين عليهم السّلام على عدم جواز تقليد العوام للفقهاء الماضين ابتداء ، وفرضوا عليهم وجوب التقليد عن العلماء الأحياء فقط ، فكان ذلك عاملا لحياة الفقه وحركته إلى الإمام عندهم ، مع ظهور آفاق جديدة في جميع شؤونه ومسائله . 3 - لا شكّ في أنّا نواجه اليوم مسائل كثيرة مستحدثة في أبواب المعاملات والعبادات لا بدّ من الجواب عنها ، لأنّ الإسلام دين خالد وأحكامه خالدة إلى الأبد ، وقد أكمل اللّه لنا دينه وأتمّ علينا نعمته ، إذن فلا شيء من هذه الأسئلة يبقى بلا جواب ، بل وردت أحكامها في الأصول الكليّة والقواعد العامّة في الكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل ، وفي ضوء الاهتداء بهذه الأنوار الإلهيّة ( لا سيّما الكتاب والسنّة ) نكشف النقاب عنها ، ألم تسمع ما ورد في خطبة حجّة الوداع عن النبي صلّى اللّه عليه وآله « أيّها الناس ما من شيء يقربكم إلى الجنّة ويباعدكم عن النار إلّا وقد أمرتكم به وما شيء يقربكم إلى النار ويباعدكم عن الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه » بل قد وردت روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام أنّه : « ما من شيء تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة إلّا وقد ورد فيه نصّ حتّى أرش الخدش ! » ولذا فالمجتهدين والفقهاء ليس لهم صلاحية تشريع حكم من الأحكام ، ووضع قانون من القوانين ، وإنّما وظيفتهم استنباط أحكام المسائل المستحدثة عن مداركها الدينية واستخراجها من منابعها الشرعية ، فلا نرى موضوعا من الموضوعات ممّا لا نصّ فيه حتّى تصل النوبة إلى الاجتهاد بمعناه الخاصّ ( أي تشريع حكم فيه بالقياس أو الاستحسان أو غيرهما ) بل كلّها واردة في النصوص الخاصّة أو الأدلّة العامّة والقوانين الكليّة . 4 - ممّا يعجب الناظر في الفقه في بدء الأمر أنّ الجوامع الإنسانية تتبدّل وتتحوّل كلّ يوم مع أنّ أصول الأحكام الإسلامية ثابتة لا تتغيّر ، وحلال محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلم حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، ومع ذلك تنطبق هذه الأصول الثابتة الخالدة على تلك